top of page

Updated: Sep 29, 2023

أنا، ذات السبعة والعشرين عاماً.. كنت قد اتخذت قراراً بالفرار. أردت أن أترك بلدي الكبير الصغير، بعد أن كنت من المنادين بالبقاء، بالعمل به وعليه. كنت أحلم أن أكون سفيرة لبلادي، إلى أن رأيت ما تفعله بلادي بسفرائها؛ أو ما يفعله الساسة بالناس. دائماً ما أحببت أن أكتب، أحببت أن أتغنى ببعض الأغنيات مع أبي؛ هذه الأغنيات التي أصبح بعد رحيله التغني بها كما التسامر معه. تمنيت وجوده عند اتخاذي لهذا القرار.


"عاوزة أركب عجلة، وأتمشى في الشارع من غير ما أكون خايفة” كان هذا بعض ما أتذكره من نقاشي مع أمي وإخوتي معللة قراري بالسفر. فالبلد التي يسكنها إخوتي الرجال ليست هي نفسها التي أسكنها أنا؛ أنا أتفقد ما حولي كل ثانية أخطوها في إحدى الشوارع لوحدي، أخاف المارة جميعها. بإحكام، أغلق نوافذ وأبواب السيارة عند قيادتي لها، كل لحظة في الشارع هي "مخاطرة"، أخنق نفسي خوفاً وهلعاً.


أردت السفر لأحظى بحياة أفضل، لأتعرّف على نفسي دون قيود المجتمع، ودون توقعات المقربين. لأكون أنا مجرّدة مما يسيطر على حياتي من أفكار، دون حاجتي لإرضاء الناس رغماً عن أنفي.


تناقشت وأفراد أسرتي عن سفري وأسبابه لعدة شهور، بين رفضهم وإصراري، ألحُّ، وأبكي في بعض الأحيان. هم يحاولون عقلنة ما أقوله ووضع الأسباب، وكذلك العقبات، خوفاً من أن أكون حالمة في توقعاتي ولأنهم -وبعد التفكير في الأمر ببساطة- أرادوا وجودي فيما بينهم.


ودّعت أهلي، أصدقائي و صديقاتي، بكيت حرقةً على فراقهم وخوفاً من فقدهم، كتبت لبعضهم الأوراق، علّها تعبّر عما في داخلي، لم تجف دموعي طوال الطريق بكاءً على ما لا أعمله، وأنا التي اختارت الرحيل. قامت من تجلس بجانبي في الطائرة بسؤالي إن كنت بخير، و اختارت أن تخبرتني أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأن الحياة تعطي الفرح كما تسلبه. تمنيت لو تصمت وتتركني لحزني، فقد ودّعتهم وكأن عملاقاً يدوس بقدمه على حنجرتي وما تبقى من قلبي بكامل وزنه. تخونني الكلمات، وتخونني رئتاي، تنزل دموعي فيُزيل العملاق قدمه لأتنفس ثانية، ثم يعيدها مرة أخرى بنفس الثقل.


لم أكن في السودان عندما اندلعت الحرب، كنت أحاول أن أكون على تواصل مع أسرتي وأصدقائي طوال تلك الأيام، دون أن أكون مصدر قلق آخر. تنقطع الكهرباء وينقطع الاتصال. تقوم أسرتي بشحن الهواتف في السيارة داخل المنزل إن سنحت الفرصة، أو يأخذ أخي هواتف كل من في المنزل ليقوم بشحنها في بيت صديقه على بعد بضعة شوارع، وهي مسافة بعيدة نظراً للوضع القائم. أراسل أصدقائي وصديقاتي لأسأل عن أحوالهم، أتابع مواقع التواصل الاجتماعي، وأنام قرب التلفاز الذي يذيع نشرة الأخبار رأس كل ساعة.


صديقي العزيز، بعد أسابيع من انقطاع شبكات التواصل، وصلتني رسالتك التي تحدثني فيها عن أوضاع السودان و حالك إبان الحرب، قرأت رسالتك عدة مرات، ابكي في كل مرة أكثر من التي قبلها. بكيت حباً وشوقاً لكم. آسفة أني لا أتواصل معك بالقدر الذي أودّ. هي الحرب، غيّرت فيني أنا التي لم أرها بعيني، فكيف انتم؟ أخاف أن تزيد أسئلتي عنكم من ضيقكم، أو أن تذكركم بما تحاولون جاهدين نسيانه. أخاف ألا أفهم ما تقولون فتتجنبوا الحديث معي فيه مستقبلاً. ويا للسخرية.. تجنبت أنا الحديث. جعلتنا الحرب أشخاصاً لا نعلمهم، في حالة من الخدر إن صح التعبير. لا نعلم بم نشعر، نركض نحو ما لا نعلم، ونريد الوصول قبل نفاذ الوقت. كم هو الزمن المتبقي؟ وماذا سيحدث إن لم نصل في الزمن المحدد؟ لا نعلم، ونركض رغم ذلك.


يرد بعض الأصدقاء والصديقات على سؤالي عن أحوالهم: ”سامعة الطيور، أخيراً، المكان هاديء” ”ما عارفة أجيب padsمن وين” “حتى الهدوء مخيف” ”أمي قالت لي أمشي ناس خالتي، أخير الطلقة”


أقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي: ”خلاص اتاقلمت مع الكثير من الغضب” ”اليوم التاني: حاسي المعركة مستمرة ليها دهر من الزمان. وكل القادر أفكر فيه إن الحياة كما نعرفها لن تعود الى ما كانت عليه مجدداً” ”بنسمع صوت، بتقع كباية بنتخلع.. و نحن ما في السودان”


تقدم المذيعة نشرة الأخبار بنبرة “عادية”، تتحدث عن طائرات حربية وانفجارات وأنباء عن قتلى.. كأن الحرب شيء طبيعي يحدث كل يوم.


اتصل بأخي لأتحدث مع ابنتيه “ماريا” و“مهيرة”، لأفهم ما تشعران به. تخبرني ماريا ذات الخمسة أعوام -وهي الأكبر- أن الطائرات السودانية قد احترقت وأن علي أن أعود إلى المنزل فوراً مستقلة طائرة البلد الذي أقيم فيه، فهذا ما استوعبه عقلها بعد أن شاهدت نشرة الأخبار عن احتراق مطار الخرطوم. تنقطع المياه عن المنزل فيضطر اخوتي للذهاب سوياً لجلب المياه من البئر القريبة من المنطقة. يرسلون لي بعض الصور والفيديوهات متى سنحت الفرصة.


يهلّ أول يوم في عيد الفطر وتقول ماريا وهي تحدث أمها: “العيد ما جا”، فهي لم تحظ بلعبتها الجديدة هذا العيد.


تعلن المذيعة في النشرة الإخبارية عن الاتفاق على هدنة في أسبوع العيد.


يرد صديقي على رسالتي: ”الحرب ما وقّفت الحياة، والحياة ابت تقيف تستنى الحرب تنتهي، وبقوا شغالين سوا.. ‏حرفياً الوضع حسا، تكبيرات العيد، أصوات طيارات، أصوات مدافع مضادة طيران”


أقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي: ”الهُدنة صوتها عالي شديد..”


قرّرت أسرتي وأصدقائي الخروج من الخرطوم في أوقات مختلفة. يتكرر القلق والرعب في كل مرة. انقطع الاتصال بصديقتي لأيام، حاولنا الوصول إليها بشتى الطرق لمعرفة موقعها، اكتشفنا أن الباص الذي تستقله تعطل مما اضطرها أن تغيّر وجهتها عبر باص آخر. تعطل الباص الذي تستقله أسرتي أيضاً بعد أن تاه السائق ليلاً، كانوا في منتصف اللا شيء لمدة تجاوزت الإثناعشر ساعة، بدون شبكة للتواصل، وبدون مياه للشرب. كانت من أطول الساعات في حياتي، اتصلت بأخي الأصغر قرابة المائة مرة حتى استطعت الوصول إليهم. أمضوا ثلاثة أيام في الطريق.


يعلن المذيع على التلفاز عن محاولات دولية لإيقاف الحرب بالسودان.


ترد صديقتي التي سألتها عن خطة الطريق: ”الخطة انه نمشي، لحدي ما ينتهي الطريق”


بينما ترد الأخرى: ”أنا ما نمت من أمبارح، خايفة أنوم أصحى مخلوعة”


أقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي: "أنا طالعة براي" ”ابوي قال احتمال ما نرجع بيتنا تاني وسكت، وأنا من قبيل بفكر في الحاجة دي” ”مرات ما بقدر اقول "الحرب" وبقول "الجوطة الحاصلة دي". كلمة حرب دي تقيلة عليّ شديد.”


يصفون الحرب بال“عبثية”.. كم يستفزني هذا التعبير. فهو تبعاً يجعل حياتنا عبثية، ربما هي عبثية في نظر من يؤيدون هذه الحرب. دفن أبي تحت تراب الخرطوم، حملت ماريا علم السودان عند سقوط البشير، واستنشقت مهيرة الغاز المسيل للدموع يوماً بعد ولادتها جراء تنفيذ الإنقلاب الملعون في يومها الثاني في الحياة. لم يكن السودان قط المكان المثالي، أردنا أن يقوم السودان الذي نحب، حتى و إن لم نعشه نحن. أحببنا السودان بكل عيوبه، ربما هي متلازمة “ستوكهولم”.


تتوقف القنوات الإخبارية عن تقديم أخبار عن السودان كل رأس ساعة، مع أن الحرب لم تتوقف.


ترد صديقتي: ”الضلام مبالغة، بحاول اصحى بدري عشان أقرأ بضوء الشمس”


أقرأ على تويتر:

"أبوي ما مقتنع نطلع نخلي البيت. أقنعتوا اهلكم كيف؟"

”يا أصحابي وصحباتي أنا بحبكم ومشتاقة ليكم شديد، وما قادرة أصدق انو ما ممكن نتلاقى تاني في حياتنا”

0 comments

Recent Posts

See All

Homeland

Homeland the moment when my heart loses the battle a friend, a dear one, shows up to tackle a few enemies of mine reminding me that even if the world forgot, we would not that even if the word “Sudan”

Identify

Identify I wrote my name and important numbers on a paper I slipped it in my t-shirts pocket, I had to wear it If something was to happen, at least my identity would be known I wore my heart on my sle

Day 5 of war quarantine

Day 5 of war quarantine Insomnia Just 5 days that feel like months, it’s fine, I need to keep alert Shaking The dizziness taking over my body, it’s okay, they were here beside me Pain felt while looki

Comments


bottom of page